قيادة الشباب للثورات العربية





يُعتبر الشباب غير المنتمي إلى الأحزاب والحركات السياسية التقليدية، من بين الفاعلين الرئيسيين في إنجاز ثورتي تونس ومصر، اللتين أطاحتا بديكتاتورية مبارك وزين العابدين بن علي وأجبرتهما على التنحي، بعد سنوات من الاستبداد السياسي والفساد الإداري والمالي.
وضعٌ جديد ومستحدث في تاريخ الثورات (سيكون محورًا يشتغل عليه الباحثون خلال الفترة القادمة) والتحركات الاجتماعية وفي أساليب وطرق تنظم الحركات الاحتجاجية. وهذا التحول البنيوي في إرادة "الانعتاق الديمقراطي" لدى الشعوب العربية، لتصبح الديمقراطية "مطلبًا اجتماعيًّا" يقوده الشارع بنفسه بعيدًا عن كل "وصاية" أو "تأطير".
وهو وضع/حالة جديدة فرضت على المشتغلين في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية إعادة طرح السؤال التالي: أية مكانة للمسألة الشبابية في البحوث والدراسات الاجتماعية وخاصة في المنطقة العربية؟
لقد أهملت العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة المسألة الشبابية؛ فهذه الفئة العمرية برغم المكانة التي تحتلها في الهرم السكاني العربي، وكذلك موقعها في التنمية بوصفها الشريحة الأكثر نشاطًا وحيوية، فإنها مع ذلك لم تجد حظها من البحث والدرس، من قبل المشتغلين في حقل علم الاجتماع في العالم العربي. أما في الغرب فقد ارتبطت في الغالب الدراسات والبحوث السوسيولوجية التي أُنجِزت حول الشباب، بحوادث وانتفاضات وحركات احتجاجية، أعادت تفكيك النسق الاجتماعي والبناء السياسي القائم، وكان للشباب الحضور القوي بل المؤثر فيها. ولعل أهمها وأكثرها دلالة الانتفاضة الطلابية والشبابية بفرنسا سنة 1968، والتي كان لها وقع خاص على طرق تفكير، ونمط عيش كافة الشباب العالمي، وتحولت إلى ظاهرة تشبه تأثير "كرة الثلج" كما يقال.

وضعت انتفاضة 1968 حدًّا فاصلاً في تاريخ الديمقراطية الغربية؛ فسنوات التوفيق الهادئة، والتكامل، والترويض وصلت أخيرًا إلى نهايتها، وظهرت موجات جديدة من التعبئة والتعبئة المضادة أخلَّت بتوازن عدد من الديمقراطيات الغربية، وظهر جيل جديد تحدى ما دعا إليه أفراد الجيل الأول وأساليبهم؛ إذ إن الانفجار العنيف للقوى الجديدة لم يَتَحَدَّ نماذج ونظريات الخمسينيات وأوائل الستينيات فحسب، وإنما "فرض أيضًا إعادة تقييم أساليب جمع البيانات وإستراتيجيات تحليلها"(1).
كما مثَّلت انتفاضة أو ثورة الضواحي -وإن بدرجة أقل من انتفاضة 1968- التي عرفتها باريس ( فرنسا) سنة 2006، والتي كانت القيادة فيها للشباب، الذي يعاني من ويلات التهميش والإقصاء الاجتماعي والثقافي، والإقصاء من المشاركة السياسية وبالتالي في صنع القرار، مثَّلَت محور اهتمام كبير من قِبَل الاجتماعيين.
وكانت فئة الشباب خلال العشريتين الأخيرتين، موضوعًا وهدفًا "للتجنيد" من قبل الحركات التي تتبنى العنف والتطرف سواء اليمينية في المجتمعات الغربية، أو التي تتبنى الأفكار السلفية القريبة ومنها تنظيم «القاعدة" في المجتمعات العربية والإسلامية. وهذا ما يفسر تنامي البحث في الوظائف التاريخية، والمجتمعية sociétale، والثقافية والأيديولوجية لفئة الشباب في السنوات الأخيرة، وتحديدًا في العالم الغربي، مقابل تحرك "محتشم" من قبل النخب ومراكز البحث في العالم العربي والإسلامي.
وقدَّم الخطاب الرسمي العربي تناولاً سطحيًّا لمشاغل الشباب، وحصر اهتماماته في الترفيه. في المقابل بقي موضوع الشباب ضمن دائرة المسكوت عنه في نشاطات فعاليات المجتمع المدني العربي، التي آثرت التعاطي معه -أي الشباب- كورقة للضغط والصراع السياسي، ولم تفكر في إيجاد الحلول الحقيقية لمشاغله وتطلعاته، من خلال الاستناد إلى نتائج البحوث الميدانية والأكاديمية.



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire